عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
232
اللباب في علوم الكتاب
أولى وأقوى ، ثمّ قال : « وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ » عليم بمن جار أو عدل في وصيته « حليم » على الجائر لا يعاجله بالعقوبة وهذا وعيد . قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 13 إلى 14 ] تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 13 ) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ ( 14 ) لما بيّن سهام المواريث ذكر الوعد والوعيد ، ترغيبا في الطّاعة وترهيبا عن المعصية . وقوله تعالى : تِلْكَ إشارة إلى ما ذكر من المواريث ؛ لأنّ الضّمير يعود إلى أقرب مذكور . وقيل : إشارة إلى كلّ ما ذكر من أوّل السّورة إلى هنا من أحكام أموال اليتامى ، والأنكحة ، وأحكام المواريث ، قاله الأصمّ « 1 » ؛ لأنّ الأقرب إذا لم يمنع من عوده إلى الأبعد وجب عوده إلى الكلّ ؛ ولأنّ المراد بحدود اللّه : الأحكام التي ذكرها وبيّنها ، ومنه حدود الدّار ؛ لأنّها تميزها من غيرها . قوله : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وقوله وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . قيل : مختصّ بمن أطاع أو عصى في هذه التّكاليف المذكورة في هذه السّورة . وقال المحقّقون « 2 » : بل هو عام ؛ لأنّ اللّفظ عامّ فيتناول الكلّ . قوله : يُدْخِلْهُ حمل على لفظ « من » ، فأفرد الضّمير في قوله : يُطِعِ اللَّهَ و يُدْخِلْهُ وعلى معناها ، فجمع في قوله : خالِدِينَ وهذا أحسن الحملين ، أعني : الحمل على اللّفظ ، ثم على المعنى ، ويجوز العكس ، وإن كان ابن عطيّة قد منعه وليس بشيء لثبوته عن العرب ، وقد تقدّم ذلك مرارا ، وفيه تفصيل ، وله شروط مذكورة في كتب النحو . قوله : خالِدِينَ في نصبه وجهان : أظهرهما : أنّه حال من الضمير المنصوب في يُدْخِلْهُ ولا يضرّ تغاير الحال وصاحبها من حيث كانت جمعا وصاحبها مفردا ، لما تقدّم من اعتبار اللّفظ والمعنى وهي مقدّرة ؛ لأنّ الخلود بعد الدّخول . والثّاني : أن يكون نعتا ل جَنَّاتٍ من باب ما جرى على موصوفه لفظا ، وهو
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 9 / 184 . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق .